بعد أن أنهيتُ ترجمة هذا النص لـتسفيتاييفا ، لم أعرف تماماً ماذا أفعل به. بقي لبعض الوقت في حال من التعليق، يتأرجح بين ملفات الحاسوب، كأنّه لم يقرّر بعد إن كان نصّاً مكتملًا أم مجرّد محاولة للاقتراب من صوت آخر. وربما هنا تحديداً يبدأ السؤال: ماذا نفعل بما نكتب، أو بما نترجم، بعد أن نصل إلى نهايته؟ تسائل تطرحه الشاعرة نفسها في هذا النص بالذات.
الكتابة، كما تظهر عند تسفيتاييفا، ليست فعلاً يمكن فصله عن القلق الذي يحيط به. هناك دائماً شيء غير محسوم: هل ينتمي النص إلى صاحبه، أم إلى العالم الذي سيستقبله؟ وهل يمكن لعمل وُلد من ضرورة داخلية أن يجد مكانه بسهولة في فضاء تحكمه معايير العرض والقيمة؟ وهل يجوز للشاعر الكتابة لنصرة قضية معينة؟
أفكّر في هذه الترجمة كنوع من المرافقة، لا كنقلٍ نهائي. محاولة للإنصات أكثر مما هي إعادة إنتاج. لكن، مثل أي عمل، تصل إلى لحظة يجب فيها أن تغادر. أن تُنشر، أو تُترك، أو تُعاد كتابتها بشكل آخر. وفي كل احتمال، هناك شكل مختلف من الخسارة.
في هذا النص، تكتب تسفيتاييفا عن الفن والمال، عن المجد والابداع، لكن ما يبقى، بعد القراءة، هو هذا الشعور بأن العمل الفني لا يستقر أبداً في مكان واحد. يبقى معلّقاً بين لحظة إنتاجه، والطرق التي سيُستقبل بها، والتأويلات التي لا يمكن التحكّم فيها. وربما لهذا السبب، لا تكون النهاية فعلاً خاتمة، بل بداية شكل آخر من القلق: كيف نترك أعمالنا تذهب، دون أن نفقدها تماماً؟
لمن أكتب[1]
لا أكتب للملايين ولا لشخص واحد ولا لنفسي. أكتب للعمل الفني بحد ذاته. يَكتب، عن طريقي، العمل الفني نفسه بنفسه. هل يمكن إذن أن ننشغل بالآخرين أو بذواتنا؟
وجب هنا التمييز بين لحظتين: لحظة البناء ولحظة ما بعد الإبداع. الأولى تخلو من أي هدف، اذ تهتم بشكل كامل بالكيفية. أما اللحظة الثانية سوف أسميها طوعا نفعية أو عملية. العمل مكتوب: ماذا سيحصل له؟ من سيناسب؟ لمن سأبيعه؟ نعم، لن أنكر أن هذه المسألة لها أهمية قصوى بالنسبة لي بعد انتهاء العمل.
هكذا لمرتين، روحيا وعمليا، العمل ممنوح، من سيأخذه؟
كلمتان حول المجد والمال. الكتابة من أجل المال دناءة، والكتابة من أجل المجد فضيلة. هنا أيضا اللغة المشتركة والحس العام على خطء. الكتابة لأي سبب آخر من غير العمل الفني نفسه، هي الحكم عليه بالحياة ليوم واحد لا أكثر. هكذا نكتب، وربما يجب كتابة المقالات الافتتاحية في الجرائد فقط. أن يكون للمجد أو المال أو لأجل انتصار فكرة ما، أي هدف غريب عن العمل الفني نفسه فهو مميت. طالما أنه يكتب، العمل الفني هو غاية في حد ذاته.
لماذا أكتب؟ أكتب لأني لا أقوى على عدم الكتابة. بالنسبة للسؤال المتعلق بالهدف – الجواب يكمن في السبب. ولا يمكن أن يوجد غيره.
بين 1917 و1922 كتبت ما يسمى قصائد وطنية عن جيش المتطوعين. هل كنت أؤلف كتابا؟ لا. هذه القصائد أصبحت كتابا. لأجل نصرة المثل العليا للجيش الأبيض؟ لا. لكن مثلهم العليا منتصرة في هذا الكتاب. ملهمتا بمثل المتطوعين، نسيتهم منذ البيت الأول – لم أفكر سوى في البيت نفسه – ولم أعثر على الفكرة الا بعد نقطة الختم: صادفت حينها تجسيدًا حيًا، ظهر خارجًا عن طوعي، لجيش المتطوعين. ضمانة ان هذه الأبيات المزعومة وطنية ستكون ناجعة، هي بالتحديد غياب روح المواطنة في لحظة الكتابة، كون الهدف حينها، خالصًا وحصريًا شعريًا. ما هو صحيح بالنسبة للإيديولوجيا ينطبق كذلك على اللحظة العملية. بمجرد كتابة الأبيات، يمكن أن أقرأهم علنًا فأستحق المجد أو الموت. لكن إذا فكرت في هذا الأمر في لحظة البداية، لن أكتب هذه الأبيات، أو سأكتبهم على نحو يحرمهم من المجد أو الموت. تحدث بوشكين عن اللحظة قبل وبعد إتمام العمل الفني، في أبياته حول الإلهام والمخطوط: لن يستطيع الحس العام أبدًا فهم هذا.
المجد والمال. المجد – كم هو شاسع – حر – مستحق – متناغم. يا لها من عظمة. يا لها من سكينة. المال – كم هو صغير – بائس – مشين – سخيف. يا لها من دناءة، يا لها من تفاهة.
عما أبحث إذن عندما أنهي العمل الفني وأضعه بين يدي فلان أو فلان؟
المال، أصدقائي، وبأكبر قدر ممكن.
المال، انه إمكانية استمراري في الكتابة. المال، هم قصائدي غدا. المال – هو الفدية التي أدفع للناشرين، للمحررين، لمالكات السكن، للتجار، للرعاة – هو حريتي وطاولة عملي. المال – فضلا عن كونه طاولة عملي هو أيضا منظر قصائدي، هو اليونان حيث أردت الذهاب بشدة، حينما كنت أكتب ثيسيوس (Thésée) وفلسطين التي أتوق الى الذهاب إليها عندما سأكتب شاول (Saul)، هو البواخر والقطارات التي تأخذكم الى جميع البلدان، إلى ما وراء جميع بحار العالم.
المال ليس فقط بالنسبة لي إمكانية متابعة الكتابة، ولكن أيضًا أن أكتب بشكل أفضل، أن لا أحصل على تسبيق مالي عن حقوق المؤلف، أن لا أستعجل الأحداث، أن لا أسد ثغرات شعرية بكلمات عشوائية، أن لا أقضي ساعات مع هذا أو ذاك على أمل نشر العمل، المال هو اختياري الحر، انتقائي الشخصي.
المال أخيرًا، ثالث نقطة وأهمها، هو بالنسبة لي إِمْكَانِيَّةُ أن أكتب أقل. ليس ثلاث صفحات في اليوم، ولكن ثلاثين سطرا.
المال بالنسبة لي هو قبل كل شيء مكسب لك أيه القارئ.
نقله عن الفرنسية خالد الخمليشي
يونيو 2026
[1] مارينا تسفيتايفا (1892-1941) شاعرة روسية تُعتبر من أبرز الشعراء الروس في القرن العشرين، إلى جانب فلاديمير ماياكوفسكي وبوريس باسترناك. النص الأصلي هو مقالة أدبية كتبتها تسفيتايفا، نُشرت تحت عنوان “الشاعر والزمن” في عام 1932.
النص مقتطف من كتاب “فكر الشعراء”، أنطولوجيا أعدها الشاعر والفنان الفوتوغرافي الفرنسي جيرار ماسي، نُشرت باللغة الفرنسية في عام 2021 عن دار غاليمار في باريس.
Marina Tsvetaeva
Marina Tsvetaeva, 1910s. Private Collection. Creator: Anonymous. (Photo by Fine Art Images/Heritage Images via Getty Images)